عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

190

اللباب في علوم الكتاب

حدثت هذه الإرادة ، واعلم أنّ هذا باطل ؛ لأنّ في الآية وجوها من التّأويل « 1 » : أحدها : أنّه تعالى أخبر في ذلك الوقت بنزول العذاب عليهم ، فلمّا حدث الإعلام في ذلك الوقت ، لا جرم قال هود في ذلك الوقت : « قد وقع عليكم من ربّكم رجس » . وثانيها : أنّه جعل المتوقّع الذي لا بدّ من نزوله بمنزلة الواقع ، كقوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] . وثالثها : أن يحمل قوله : « وقع » على معنى وجد وجعل ، والمعنى : إرادة إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل . قوله : « من ربّكم » إمّا متعلق ب « وقع » و « من » للابتداء مجازا ، وإمّا أن يتعلق بمحذوف لأنّها حال ، إذ كانت في الأصل صفة ل « رجس » . والرّجس : العذاب والسين مبدلة من الزاي . وقال ابن الخطيب : لا يمكن أن يكون المراد لأنّ المراد من الغضب العذاب ، فلو حملنا الرّجس عليه لزم التّكرير ، وأيضا الرجس ضد التطهير قال تعالى : لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ الأحزاب : 33 ] والمراد التّطهير عن العقائد الباطلة . وإذا ثبت هذا فالمراد بالرجس أنّه تعالى خصّهم بالعقائد المذمومة ، فيكون المعنى أنّه تعالى زادهم كفرا ثم خصّهم بمزيد الغضب . قوله : « أتجادلونني » استفهام على سبيل الإنكار في أسماء الأصنام وذلك أنهم كانوا يسمون الأصنام بالآلهة ، مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ، سموا واحدا منها بالعزّى مشتقا من العزّ ، واللّه - تعالى - ما أعطاه عزّا أصلا ، وسمّوا آخر منها باللّات ، وليس له من الإلهية شيء . قوله : « سمّيتموها » صفة ل « أسماء » ، وكذلك الجملة من قوله : « ما نزّل اللّه بها من سلطان » يدلّ على خلوّ مذاهبهم عن الحجّة . و « من سلطان » مفعول « نزّل » ، و « من » مزيدة ، ثمّ إنّه عليه الصّلاة والسّلام ذكر لهم وعيدا مجرّدا فقال : فانتظروا ما يحصل لكم من عبادة الأصنام إنّي معكم من المنتظرين . فقوله : « من المنتظرين » خبر « إني » ، و « معكم » فيه ما تقدّم في قوله : إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ، ويجوز - وهو ضعيف - أن يكون « معكم » هو الخبر و « من المنتظرين » حال ، والتقدير : إني مصاحبكم حال كوني من المنتظرين النّصر والفرج من اللّه ، وليس بذلك ؛ لأنّ المقصود بالكلام هو الانتظار ، لمقابلة قوله : « فانتظروا » فلا يجعل فضلة .

--> ( 1 ) ينظر المصدر السابق 14 / 129 - 130 .